يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

66

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

ولو رأيت شخصه لكنت عارفا به عيانا ، غير أنك لا تركب هذا الاسم الذي سمعته على الشخص الذي رأيته إلا بمعرفة أخرى بأن يقال لك : هذا زيد . قوله : " ومثل قولهم : من كان أخاك ؟ قول العرب : ما جاءت حاجتك " . اعلم أن الأصل في " جاء " أن يكون فعلا كسائر الأفعال متعديا وغير متعد ، كقولك : جاء زيد عمرا ، وجاء زيد إلى عمرو . إلا أنهم أجروها في هذا المثل مجرى صار ، وجعلوا الهاء اسما وخبرا هو الاسم كما كان ذلك في باب : كان وأخواتها ، فجعلوا اسمها مضمرا فيها ، وجعلوا " حاجتك " خبرها . وأنثوا " جاءت " لتأنيث معنى " ما " . فكأنه قال : أية حاجة جاءت حاجتك ؟ وجعل " جاء " بمعنى " صار " ، ولم يسمع إلا بتأنيث " جاءت " وإنما أجروها مجرى " صار " لضرب من الشبه بينهما ، وذلك أنك تقول : صار زيد إلى عمرو ، كما تقول : جاء زيد إلى عمرو . ففي " جاء " من الانتقال ما في " صار " فحملوا " جاءت حاجتك " - في جعل الاسم والخبر - بمنزلة صار - إذا قلت : صار زيد منطلقا - لما بينهما من الاشتراك . وإنما يقوله الرجل للرجل إذا أتاه في معنى : قوله ما جاء بك ويقال : إن أول ما شهرت هذه الكلمة من قول الخوارج لابن عباس حين أتاهم ليستدعي منهم الرجوع إلى الحق من قبل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . قوله : " كما جعلوا عسى بمنزلة كان في قولهم عسى الغوير أبؤسا " . يعني أنهم جعلوا لها اسما وخبرا ، كما جعلوا ل " كان " ولو قلت في الكلام : " عسى زيد أخاك " لم يجز ، فإنما جاز في " عسى " هنا لأنه مثل . ويقال : إن الزباء الرومية هي التي قالت هذا لما أتاها قصير بصناديق فيها رجل طالبا لثأر جذيمة منها فأخذ في طريق الغار مريدا للإيقاع بها ، ولم يكن الطريق الذي يسلكه إليها ذلك الطريق ، فلما أحست بذلك قالت : عسى الغوير أبؤسا . " وأبؤسا " جمع بأس . فكأنها قالت : صار الغوير أبؤسا ، إلا أن " عسى " فيها معنى الشك والتوقع ، و " صار " لليقين : فعسى ههنا ، وإن أجريت مجرى صار وكان ، ففيها معنى الشك . والغوير تصغير الغار ، وفي الناس من يقول : المعنى عسى الغوير أن يكون أبؤسا ، ولا وجه لهذا الإضمار كله . ثم ذكر سيبويه : " لدن غدوة " احتجاجا بأن الشيء قد يكون على لفظ في موضع ، ولا يطرد القياس في غيره ؛ لأنك لا تقول : لدن عشية ، ولا لدن زيدا ، وإنما نصبت العرب " غدوة " على ضرب من التأويل والتشبيه ، وذلك أنهم يقولون : " لد " . فيحذفون النون و " لدن " فيثبتون النون . فشبهوا هذه النون بالنون الزائدة في : عشرين وضاربين ، فنصبوا ما بعدها كما ينصب